عبد الملك الجويني

429

نهاية المطلب في دراية المذهب

آخرون : تصح الإجارة ، وإن كانت الأعمال مجهولة ، وهذا ظاهر النص ، وإليه مصير الجماهير ، وهو معلل بوجهين : أحدهما - أن المقاصد هي المرعية ، ومقصود هذه الإجارة لا يقع إلا على الجهالة ، ولا يتأتى فيها التعرّض للإعلام . والثاني - أن المعاملات التي تجري في القتال سيّما إذا كانت المعاقدة مع الكفار تحتمل أموراً لا تحتملها التصرفات الجزئية ، والشاهد في ذلك مسألة العلج على ما ستأتي مشروحة - إن شاء الله عز وجل - في دلالته على القلعة . والذي يحقق هذا أن حكم الجعالة أن المستعمَل المجعول له [ له ] ( 1 ) الخيار في ترك عين [ العمل ] ( 2 ) ، فإن حكمنا بأن هذه المعاملة جعالة ، لزم أن يجوز للمشركين بعد الوقوف في الصف أن ينصرفوا أو يتركوا العمل ، وهذا الذي جوّزناه يُفضي إلى خَرْمٍ عظيم ، لا سبيل إلى احتماله ، فلا وجه إلا حمل المعاملة على الإجارة ، واحتمال ما فيها من الجهالة . وقد يرد على هذا الكلام سؤال وجواب عنه ، وهو أن أهل الذمة لو حضروا بإذن الإمام ( 3 ) ، ثم أرادوا الانصراف بعد التقاء الزحفين ، فالرأي أنهم يمنعون من ذلك لما فيه من الضرار ، وإن لم يكونوا من أهل الجهاد ، لا إذا كان فرضاً على الكفاية ، ولا إذا تعين . ولكن سبب منعهم من الانصراف ما في ذلك من النكاية في المسلمين ، فلا يبعد حمل المعاملة على الجعالة ، حتى يحتمل ما فيها من الجهالة ، ثم يمتنع انصرافهم لما ذكرناه من امتناع انصرافهم لو خرجوا من غير جعل ولا أجرة إذا وقفوا في الصف . 11315 - ولو أراد الإمام أن يستأجر عبيد المسلمين على الجهاد فهذا بناه الأئمة على أصلٍ . والترتيب فيه أنا إن جوّزنا للإمام أن يستأجر المسلمين الأحرار على ما صار إليه طوائف من الأصحاب ، فيجوز أيضاً استئجار عبيد المسلمين . وإن منعنا استئجار الحرّ المسلم ، فاستئجار العبد خرّجه الحذّاق على الخلاف الذي

--> ( 1 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 2 ) في الأصل : " الجعل " . ( 3 ) بإذن الإمام : أي من غير عقد معه . فلا إجارة ، ولا جعالة .